عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
296
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
يكن توزيعا عادلا . لقد « ظهر في ملوك آل بويه فظاظة الطبع ، وقلة المبالاة ، وحب الأموال ، فعاقبوا وزراءهم بالقتل والقبض والمصادرة أحياء وأمواتا « 1 » » « وصادروا الأغنياء في أموالهم وغلبوا العوام على دورهم وصناعهم وانجلى أكثر الناس من جورهم « 2 » » . اذن لقد كان من الطبيعي لهذه الطبقة التي لم تغادر بغداد بل هاجرت إليها أن تتخذ الكدية سبيلها إلى العيش . وهي تسلك إليها مسلكا شريفا عن طريق الأدب ، فقد اتخذ أهل الكدية الأدب والشعر وما يتصل بهما من فصاحة وبلاغة وسيلة لكسب المال وابتزازه ، وكانت طبقة ذكية تلجأ إلى كثير من الحيل التي لا ترضاها الأخلاق لتحصل على قوت يومها ، وقد تسعى للحصول على المهنة التي تؤمن لها هذا القوت فلا تجدها في طول بغداد وعرضها . حتى الأدب نفسه لم يعد بضاعة رائجة في القرن الرابع وما بعده ولم يعد الحكام البويهيون يشجعون أربابه فيتمنى الأديب المكديّ لو لم يرضع لبان الأدب وأفضل من زينته طعام يسد رمقه : يقولون إن جمال الفتى * وزينته أدب راسخ وما أن يزين المكثرون * ومن طود سؤدده شامخ فأما الفقير فخير له * من الأدب القرص والكامخ وأي جمال أن يقال * أديب يعلم أو ناسخ « 3 » وهذا مكدي آخر يدعو اللّه أن يرزقه من يطفئ نار الجوع عنه وعن زوجه وأولاده : يا رازق النعّاب « 4 » في عشّه * وجابر العظم الكسير المهيض « 5 » أتح لنا اللهم من عرضه * من دنس الذمّ نقي رحيض يطفئ نار الجوع عنّا ولو * بمذقة من حارز أو محيض « 6 »
--> ( 1 ) الكامل لابن الأثير : ج 7 - ص 6 . ( 2 ) الكامل لابن الأثير : ج 7 - ص 102 . ( 3 ) انظر مقامات الحريري - الرسالة ( 43 ) . ( 4 ) النعاب : فرخ الغراب يقال إذا خرج من البيضة ينكره أبواه فيتركانه . فيفتح فاه فيرسل اللّه ذبابا يدخل في فيه فيكون غذاءه . ( 5 ) المهيض : الذي انكسر بعد الجبر . ( 6 ) المذقة : اللبن فيه ماء - والحازر - اللبن الحامض ، والمحيض : لبن منزع الزبد .